O slideshow foi denunciado.
Utilizamos seu perfil e dados de atividades no LinkedIn para personalizar e exibir anúncios mais relevantes. Altere suas preferências de anúncios quando desejar.

سائح مغربي في الجزائر، رحلة شهر. نادر فرح.

10.122 visualizações

Publicada em

من السهل أن يكون لك أنت المغربي أخوال في بلاد المليون شهيد، أحبة في بلاد تعرف ان حكامها مسؤولون عن الويلات في بلدك. كيف يمكن لطالب مغربي أن يقضي عطلته بالجارة الجزائر دون أن يشعر للحظة واحدة أنه غريب عن بلده. في صيف عام 2004 حطت طائرة الخطوط الملكية المغربية بمطار الجزائر العاصمة ومعها نادر فرح ،هي رحلة الى بلاد الاشقاء الاعداء،خلال شهر من الزمن ،قطع فيها الطالب المغربي الخارج للتو من امتحانات الباكالوريا بلاد المليون شهيد طولا وعرضا.
رحلة بجسد الطالب النحيف وبعيون كل القراء.

Publicada em: Turismo
  • Seja o primeiro a comentar

سائح مغربي في الجزائر، رحلة شهر. نادر فرح.

  1. 1. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫سائح مغربي يف الجزائر‬ ‫رحلة شهر‬
  2. 2. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫سائح مغربي يف الجزائر‬ ‫رحلة شهر‬ ‫شعوب جمعتها ملحمة‬ ‫الجهاد و المقاومة حب ًا في‬ ‫حرية «ملغومة» بمخلفات‬ ‫اإلستعمار، جمعتها اللغة و‬ ‫الثقافة و الديانة و العادات و‬ ‫التقاليد وحتى الجغرافيا، إلى‬ ‫أن برز شيئ إسمه «السياسة»‬ ‫اللعينة، ففرقت بين أعضاء‬ ‫جسد واحد .‬ ‫ٍ‬
  3. 3. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫سائح مغربي يف الجزائر‬ ‫رحلة شهر‬ ‫د.نادر فرح‬
  4. 4. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫إهداء‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أهدي أحرف ذاكرتي:‬ ‫إلى روح « الجدة»، الشخصية التي توفيت بعد سنتين من أحداث الرحلة.‬ ‫إلى روح « الجد»، المجاهد الشهيد و هو حي يرزق.‬ ‫إلى أصدقائي، الذين لوال هم لما خططت شيئا.‬ ‫إلى عائلتي، الصغيرة و الكبيرة.‬ ‫و أكرر؛ إلى إبني « أنس» الذي ال أعلم هل ستسمح دراسته في بالد غربية،‬ ‫هل تسمح له قراءة اللغة العربية.‬ ‫إلى زوجتي، نبض قلبي و قلمي.‬ ‫إلى «زوج بغال»، الحدود الشائكة.‬ ‫إلى أفراد ش���عبينا؛ المغربي و الجزائري ،قال تعالى:) واعتصموا بحبل‬ ‫اهلل جميعا وال تفرقوا) صدق اهلل العظيم.‬ ‫ّ‬ ‫نـــــــــادر.‬
  5. 5. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫استعدادات قبل التحليق‬
  6. 6. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫في صيف عام 4002، مع إنتهاء الموسم الدراسي‬ ‫بحيازتي لشهادة «الباك»، قررا والدايا إهدائي رحلة شبه‬ ‫إجبارية نحو البلد األم لألم( الجزائر)، مع ديكتاتورية األب و‬ ‫حنان األم ما كان علي ٌ أن أقبل العرض. ‬ ‫ٌ إال‬ ‫ً أنها المرة األولى «لي كنفوت طنجة»، إستعداداتي‬ ‫علما‬ ‫ِْ ُ‬ ‫دامت األسبوع، كدت أن أحزم بيتي كامال لجره معي بدل إختزال‬ ‫كل شيء في «شانطة» وحدة، لوال تدخل األب صابا جم غضبه‬ ‫َّ‬ ‫علي؛ «مالك واش باغي تشوه بيا وال ! واش عمرك ما شفتي‬ ‫شي حاجة وال !؟‬ ‫جمعت حقيبتي وتوجهت إلى سيارة أبي َّني نحو‬ ‫ليقل‬ ‫مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، خرجت من باب المنزل،‬ ‫والبعض محتفل؛ أختي الكبيرة وأخي الصغير (على األقل في‬ ‫ُ ْ َِ‬ ‫هذه المدة التي سأقضيها خارج البالد، سيقتسمون إستعمال‬ ‫الحاسوب على حصتين فقط وإستغالل حصتي كذلك)، وبين من‬ ‫حول المنزل إلى دار عزاء، أمي وعمتي (بكاء و»تنخسيس»‬ ‫سلم على حناك لويزة وخالتك يزة...)، أما األب الصنديد فقد‬ ‫شغل محرك العربة وفي يده جلدة المسح (پو د شامو)، تارة‬ ‫يمسح نوافذ العربة وتارة يوجه كالمه للعائلة؛ «وطلقونا‬ ‫خالص راه باقي تابعانا الطريق»!!‬ ‫وضعت حقيبتي في صندوق السيارة وقبل أن أمتطي‬ ‫4‬
  7. 7. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً‬ ‫السيارة، أعدت التأكد للمرة المليون من صحة الوثائق، تفاديا‬ ‫ََ‬ ‫غضب األب قبل كل شيء، ركبت السيارة وعينايا على شفتا‬ ‫ً‬ ‫أبي، حين حولت زاوية النظر نحو عيناه، اغرورقتا دموعا‬ ‫ً بلهجة يعلوها الحزن؛» يااااا‬ ‫رغم تظاهره بالالشيء، ناطقا‬ ‫بسم اللله يا فتاح يا رزاق!»‬ ‫ونحن في الطريق بدأت أشعر أن أبي غير تصرفاته‬ ‫َّ‬ ‫نحوي وبدأ يستلطفني بكلمات األب نحو إبنه؛ «راني بغيتك‬ ‫غير تكون راجل و تعتامد على راسك ونعول عليك وتجمع‬ ‫ً)، سير أسيدي‬ ‫راسك، هانتا غادي تسافر وتتهنا مني (مبتسما‬ ‫وتبرع وتسارا مزيان وعرف العائلة...» خاتما كل فقرة من‬ ‫ً‬ ‫كالمه بالزمته «پروفيط طوا» وعيناه تبتسمان سخرية. ‬ ‫بدأت أشعر بأبي الذي تمنيته طوال حياتي، األب الصديق‬ ‫األخ...‬ ‫وصلنا إلى مطار اإلقالع نحو ساعة قبل الرحيل، بين‬ ‫ُْ ُ‬ ‫اإلجراءات اإلدارية والجمركية المعتادة... فزت بلحظة قهوتي‬ ‫5‬
  8. 8. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫المفضلة وصديقي «الجديد»، نصف ساعة في مقهى بالطابق‬ ‫العلوي لمطار محمد الخامس كانت كافية لتصلح ما أفسدته‬ ‫إرهاقات العمل وغياب التواصل بين األبناء وآبائهم.‬ ‫ونحن منغمسان في حديث السفر والعائلة والتوصيات...‬ ‫ً‬ ‫فجأة سمعنا صوت «سلعفانة» اإلرشادات موجهة خطابها‬ ‫للمسافرين: «مسافرو الخطوط الملكية المغربية المتجهين‬ ‫إلى مطار الجزائرالعاصمة، المرجو التوجه إلى محطة اإلركاب‬ ‫الدولية».‬ ‫يخرب بيتك! في هذه اللحظات فقط تمنيت لو تأخرت‬ ‫الرحلة أو حتى إن أُلغيت، لقضاء مزيد من الوقت مع أبي األخ‬ ‫َِ‬ ‫الصديق ...‬ ‫«نوض أوليدي نوض شد بالصتك اهلل يوصلك على خير»،‬ ‫كانت هذه الجملة تقريبا آخر ما نطق به أبي وهو يودعني،‬ ‫مرافقا إياي إلى باب اإلركاب عانقني عناق أب إلبنه وبدأت‬ ‫عيناه تدمعا «فرحزنا»، لإلشارة أنه لم يسبق لي أن رأيت أبي‬ ‫وهو يدمع، إال لحظة وفاة العم المصاب بـ»الزهايمر».‬ ‫6‬
  9. 9. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أشرت جوازي وصعدت سلم الطائرة وأنا لم أتخلص بعد‬ ‫من شغبي، تارة جتدني متحرشا مبضيفة الطائرة وتارة أعبث‬ ‫بتجهيزاتها، خاصة أنها املرة األولى التي أصعد الطائرة...‬ ‫7‬
  10. 10. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ساعتان يف الجو‬
  11. 11. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بعد صعودنا الطائرة ومحاولة أخذ مقاعدنا المرقمة،‬ ‫هنا فقط اقتنعت أننا شعب يستحق محو األمية الثقافية، الكل‬ ‫يصرخ:‬ ‫ «النمرة مياوربعاوعشرين فين كاينة؟»‬‫ «نوض نوض من بالستي!!»‬‫ «وانا فين نگلس ؟!»‬‫ «أسيدي نوض هادي بالستي شوف نتا فين‬‫تگلس!»‬ ‫ «عجوز في عقده السابع: وواللللله ال قلعات هاد‬‫لمشقوفة، شكون دالي لقراب ديالي؟!»‬ ‫<< محطة والد زيان صافي >>‬ ‫طاقم الطائرة حائر، «سپيكرينات» تلهثن من ضغط‬ ‫الربان وتخلف المسافرين، فجأة غير الطاقم خطابه اإلرشادي‬ ‫َّ‬ ‫إلى خطاب شديد اللهجة:‬ ‫9‬
  12. 12. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫«واش تشدو باليصكم وال غادي نتعطلو ساعة أخرى»‬ ‫شعب يهاب وال يستحيي نحن!‬ ‫تعود فتاة اإلرشاد وتتحدث على الميكروفون:‬ ‫«ميدامزيميسيو بونسوار...» هتافات استهجان، سب‬ ‫وشتم... «واش حسابليها نصارى وال!»، يصرخ واحد من‬ ‫ً،‬ ‫ذوي الشطاطيب، وأنا مسمر في مقعدي وقلبي ازداد نبضا‬ ‫َُّ‬ ‫َ‬ ‫حين سمعت «بولحية» ما ذا قال.‬ ‫علما أن سنة 4002 كانت موسم اإلرهاب في المغرب‬ ‫العربي، ومع قليل من وسوسة الشيطان:» ناري هاد الطيارة‬ ‫موحال واش توصل بسالم!»‬ ‫أخرجت قارئ أقراص من محفظتي، وعيني على‬ ‫َّ‬ ‫«بولحية»، من يدري قد يكفرني إلستعمال سماعات‬ ‫ُ َ ِّ ِ‬ ‫الموسيقى بدعوى أنها من صنع «الكفار»، دون أن يتذكر أن‬ ‫«البوينگ737» هي كذلك من صنع «الكفار».‬ ‫ً‬ ‫ً نفسه «معكم القبطان‬ ‫ً مقدما‬ ‫ً ذكوريا‬ ‫فجأة سمعنا صوتا‬ ‫فالن» - لم أتذكر اسمه لألسف، إال أنه كان إسما ب َد ً أثار‬ ‫َل ِ يا‬ ‫سخرية البعض بقهقهات متذبذبة- قائد الرحلة رقم... نرحب‬ ‫01‬
  13. 13. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بكم ونتمنى لكم رحلة سعيدة، الطائرة ستقلع بعد خمس‬ ‫دقائق، المرجو ربط األحزمة».‬ ‫حل صمت رهيب مما زاد من خوفي، اللطيف والتضرع‬ ‫إلى اهلل... و صوت الِّحي يعلو باقي األصوات.‬ ‫ِ‬ ‫ل ِّ‬ ‫ً،‬ ‫صفير محركات اآللة العمالقة بدأت تعلو ً فشيئا‬ ‫شيئا‬ ‫ً»، سحبت قنينة‬ ‫الطائرة في السماء، الكل حمد اهلل «مؤقتا‬ ‫ماء معدني صغيرة، كنت قد اقتنيتها بمبلغ 51 درهم من‬ ‫إحدى متاجر المطار، بدل ثمنها الذي يقل عن 3 دراهم خارج‬ ‫المطار –»هي لي لقاو عندي»-، ارتشفت منها القليل حتى‬ ‫هدأت أعصابي وتثاقل تدفق األدرينالين.‬ ‫<< نقطة وجب اإلشارة إليها بكل فخر و إعتزاز‬ ‫وإشادة، الربابنة املغاربة و مساعديهم يستحقون كل‬ ‫ً‬ ‫اإلحترام فعال، مهنية جد عالية و ثقافة جوية هامة، ينالوا‬ ‫إحترام كل ربابنة العالم >>‬ ‫شغلت الموسيقى ً مني أنها ستخفف وقع الرحلة،‬ ‫ظنا‬ ‫نظرت إلى جانبي؛ على يساري عجوز شاب وليدها رفقة‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫إبنها، وعلى يميني رجل «أفعال» هو من بادرني بالسؤال؛‬ ‫«سي ال پروميير فوا جو كخوا؟» هنيهة وأجبته:» وي أول‬ ‫11‬
  14. 14. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫مرة». ‬ ‫وضعت السماعات حتى أغلق باب «من أنتم؟»،‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫محاوال النوم ولو قليال، فضلت موسيقى الغيوان وقطعات‬ ‫«خاترة»، على أن أسمع ربما قصص األلف رحلة ورحلة،‬ ‫التي‬ ‫سيسردها علي رجل «األفعال» جانبي.‬ ‫غرقت في نوم عميق نظرا لإلرهاق والخوف... فجأة‬ ‫أفاقني صوت المضيفة؛ «نحن في أجواء مطار الجزائر‬ ‫العاصمة، بعد عشر دقائق ستهبط الطائرة، من فضلكم راقبوا‬ ‫أحزمتكم واستعدوا للهبوط».‬ ‫ً‬ ‫«هنا ضرباتني التوگيضة»، ارتشفت قليال من الماء،‬ ‫وضعت قارئ األقراص في جيب المحفظة، في الحقيقة لم‬ ‫أحس بالهبوط إال وقت ارتطام العجالت باألرض فقط، هذا ما‬ ‫ينم عن مهنية وحرفية الربابنة المغاربة.‬ ‫خمس دقائق بعد هبوط الطائرة، فتحت أبواب الطائرة‬ ‫ُِ‬ ‫ً‬ ‫ليستقبلنا نسيم عليل من جو صيفي شبه معتدل ليال.‬ ‫21‬
  15. 15. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ها نحن يف «الدزاير»‬
  16. 16. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أول ما وطأت قدمايا رصيف مطار (هواري بومدين) الجزائر‬ ‫َ‬ ‫العاصمة، إقشعر بدني حين خالجتني مشاعر تختلط بين لهفة‬ ‫اللقاء، لقاء العائلة وبين مشاعر حب استطالع ورغبة في‬ ‫استكشاف نصف آخر لوحدة مغاربية حالت السياسة اللعينة‬ ‫دون لم الشمل.‬ ‫هنا مطار الجزائر العاصمة، ال فرق بين المجتمع‬ ‫ُ َ‬ ‫المغربي والجزائري إال ما فرقته السياسة وما يكتب من‬ ‫أسماء وعناوين في لوحات اإلرشاد، كدت أجزم أني كنت‬ ‫ِ‬ ‫ً وأن هذه الرحلة مجرد حلم عابر لوال وجودي في بوابة‬ ‫نائما‬ ‫ِ‬ ‫«المراقبة األمنية الجمركية»، مخاطبا إياي: «بونسوار‬ ‫ً،‬ ‫موسيو، سويي بيان ڤوني...»، حسبت أنه ظنني فرنسيا‬ ‫لكن فيما بعد اكتشفت أن معظم الجزائريين يتقنون اللغة‬ ‫الفرنسية وهي لغتهم اليومية بنسبة كبيرة.‬ ‫كما سبق أن ذكرت، األوضاع األمنية كانت مشددة‬ ‫بسبب الهجمات اإلرهابية التي وجدت مرتعها في المغرب‬ ‫العربي، خاصة المغرب والجزائر وما رافق ذلك من رفع‬ ‫درجة الحذر األمني إلى مستويات قياسية.‬ ‫مددت جواز سفري لرجل األمن والجمركي، تفحصاه‬ ‫جيدا قبل مبادرتهما بطرح بعض األسئلة المعتادة، من أين‬ ‫41‬
  17. 17. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أتيت؟، ما جنسيتك؟، رحلة عمل؟، سياحة؟، زيارة عائلية؟،‬ ‫وجهتك التالية...؟‬ ‫ً‬ ‫فضلت أن أجيبهم بالدارجة المغربية، محاوال‬ ‫ً أجبت عن األسئلة،‬ ‫استدراجهم للتحدث بالعربية، مبتسما‬ ‫كسبت ابتسامتهم هم كذلك؛ «مرحبا خويا، پروفيط طوا...»‬ ‫َ‬ ‫خرجت من بوابة التمحيص هاته، انتظرت حقيبتي‬ ‫ً المجهول،‬ ‫بضع الوقت و خرجت من الباب الرئيسي مواجها‬ ‫ال أعرف الوجوه التي ستكون في انتظاري، وال هم يعرفونني‬ ‫جيداً، بينما أبحث عن مخدع هاتفي ألجري اإلتصال، تسمرت‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫عينايا على مجموعة من أربع أشخاص، رجل أخذ منه الدهر‬ ‫َ‬ ‫ً، فتاة في مقتبل العمر‬ ‫ما حب، امرأة تقاربه ً وفيزيولوجيا‬ ‫سنا‬ ‫َّ‬ ‫بهندام محافظ، وشاب وسيم تسطع األمازيغية من نظراته‬ ‫هو من كَّف بحمل ورقة إرشاد مكتوب عليها «‪nadir‬‬ ‫ل‬ ‫ُِ‬ ‫‪ ،»Farah‬رغم الخطأ في كتابة اإلسم، إال أنني أدركت بما‬ ‫ّ‬ ‫ال يحتاج الشك أني المعني بالالفتة.‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫اقتربت من الموكب بخطى خجولة تعلوها ابتسامة من‬ ‫أعماق قلب بات ليس لي‬ ‫وال حكم لي عليه، قصدت الشاب الوسيم الذي لم يكن إال ابن‬ ‫51‬
  18. 18. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً ما كنا نتمازح عبر سماعة الهاتف‬ ‫الخالة «يزة» الذي غالبا‬ ‫ً؛»‬ ‫الذي كنت أسرقه ألبي-، اقتربت من أذنه اليسرى هامسا‬‫يا ودي يا الراجل يا ودي! عولنا عليك بكري تتالقاني»،‬ ‫ً‬ ‫حبس أنفاسه معانقا إياي وكلمات السالم والترحيب، فجأة‬ ‫نطقت الفتاة ذات الهندام المحافظ «أرگاز أرگاز أيبا!» وهي‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ابنة الخالة (أرگاز= رجل بالقبائلية)، انتبه الكل فكانت فعال‬ ‫سالم هي حتى قدوم رجال األمن واألمر بالخروج لدواعي‬ ‫أمنية.‬ ‫خرجنا من محيط المطار، متجهين نحو السيارة وهم لم‬ ‫ينتهوا بعد من السؤال عن الحال واألحوال، توجه ابن الخالة‬ ‫إلى المقود وفجأة وجدت نفسي مجبراً على الركوب في‬ ‫الكرسي األمامي لدواعي «أخالقية» لم أعلمها حينها.‬ ‫شغل المحرك وما إن خرج من موقف السيارات التابع‬ ‫للمطار حتى إنطلت الطريق بالحواجز األمنية، رغم ذلك فإننا‬ ‫لم نتوقف إال ناذراً، وصلنا إلى منزل اإلقامة؛ منزل خليط بين‬ ‫ّ‬ ‫العمران العربي والفرنكفوني، ما هو برياض وال ڤيال وال‬ ‫شقة ... لم أعرف ماذا يسمى إال بعد مرور بضعة أيام، إنه‬ ‫«الدشار».‬ ‫َْ ْ‬ ‫دخلنا المنزل بعد االستقبال والفرحة بقدوم الحفيد‬ ‫61‬
  19. 19. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً‬ ‫«نادر»، عمت أهال و سهال.‬ ‫ُْ‬ ‫الحقيقة التي لم أستطع اخفائها حينئذ هي أني أصبحت‬ ‫واحداً منهم ِتوه، رغم تظاهري أني «ضيف»، لكن بساطتهم‬ ‫لَ ِ‬ ‫وتقارب ثقافاتنا وميوالتنا عززت من إندماجي السريع‬ ‫بين أفراد العائلة، فجأة صرت أتصرف كأني في بيتي ً‬ ‫ِ ُْ‬ ‫طبعا‬ ‫بمساعدة ابن الخالة.‬ ‫بعد أن استحممت وغيرت مالبسي، حان وقت العشاء،‬ ‫الجد حاكم «الدشار» يأمر وينهى... «واش بيكم ثقال؟ ألي‬ ‫َ ْ‬ ‫تحركو جيبو لعشا ولدي نادر جا مسافر وبالك يكون حاب‬ ‫ينام !!!»‬ ‫قليال من «صواب»، «اهلل أودي أحنيني ماعليش‬ ‫ْ‬ ‫غييير بشوية مافياش النعاس»، ما الحظته هو اختالف‬ ‫طفيف في األكل أو باألحرى في أسمائه، فوق الطاولة‬ ‫«طبسيل طاووس» -أَلفناه مهربًا عبر وجدة- مليء بما لذ‬ ‫ِ‬ ‫َُّ‬ ‫َ‬ ‫وطاب، كلمة ترددت كثيراً ولم أعلم معناها إلى أن بدأ يوزع،‬ ‫ُ‬ ‫«المطلوع» أووووه ماي گووود، إنه الخبز !!!‬ ‫بعد يوم طويل ورحلة جوية دامت ساعتين ونصف،‬ ‫71‬
  20. 20. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أي أقل بنص ساعة على الوقت المحدد للوصول – «لمغاربة‬ ‫خطاار، حتا فالجو وكيجريو مع الليل ماكاين ال رادارات‬ ‫ال والو والطريق خاوية»-، ال الجوع وال التعب أخذا مني‬ ‫الشيء الكثير.‬ ‫ُ ْ‬ ‫عرگتها مزياااان، ما هوش غير لبحر لي يجوع، حتى‬ ‫الجو راه يجوع.‬ ‫81‬
  21. 21. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫األسبوع األول يف « الدزاير «‬
  22. 22. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫في أول أيامي في الجزائر، رغم السفر المضني‬ ‫وتعبه، استفقت باكرا وأنا في شوق لإلكتشاف واالستكشاف،‬ ‫إستظهرت نشيدي المفضل؛ «أنا الفتى النظيف، أفيق في‬ ‫الصباح، أسعى إلى الفالح، أغسل اليدين بالفرشاة…»،‬ ‫سكون حالك، شمس مصرة على عادتها، ماشية تعمل‬ ‫ُ ِ َّ‬ ‫عمل الديك النائم، أبقار في إنتظار الحلب، دواجن تبيض‬ ‫بال حساب، ولكن أين أهل الدشار!؟ ال أحد! قررت أن أجر‬ ‫إبن الخالة من مضجعه؛ «كريم! فيق فيق أصاحبي!، يجيب‬ ‫وهو يجر الغطاء؛ آش صرا آش صرا؟»، حينئذ خرجت‬ ‫ً باكراً و بين‬ ‫بخالصة:»إن خيروك بين إيقاظ جزائري صيفا‬ ‫تحرير القدس، أنصحك باألخيرة».‬ ‫إنطلق من فراشه وهو يصرخ؛» أيما كون عكب با أش‬ ‫ْ َ ْ َّ‬ ‫َّ‬ ‫يفرقو علي!»‬ ‫َّ‬ ‫بدأت الحركة تدب في أرجاء المنزل، الجدة «يزة»‬ ‫مخاطبة حفيدها الوافد الجديد»؛ أرواح أرواح سمح فداك‬ ‫«الكماخ»! ‬ ‫َ َّ‬ ‫تشكلت طاولة الفطور بسرعة، الجدة «يزة» أم أمي‬ ‫وابن الخالة  «كريم» الذي ينتظر بفارغ الصبر التأشيرة‬ ‫للحاق بوالديه الذين يقيمان في فرنسا، وإبنة الخالة التي‬ ‫02‬
  23. 23. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ال يفصلها إال ً معدودات لتكوين أسرتها الخاصة و‬ ‫أياما‬ ‫الزواج بإبن عمها، وأنا الذي صرت كل إهتمام العائلة ً‬ ‫حبا‬ ‫ً، أما الجد فهو الصديق الوفي لديكه، قام باكراً في‬ ‫وكرما‬ ‫دورة استطالعية على «الدشار»، أطعم ما يجب أن يطعم،‬ ‫ُ‬ ‫وأروى ما يستحق الري، بعد أن صلى فجره بين أحضان‬ ‫الجماعة رغم التضييقات التي كان يتعرض لها معظم رواد‬ ‫المساجد فجراً، من تحقيقات و مراقبات علنية و سرية خوفا‬ ‫من إنتشار الداء الذي أطلق عليه الرئيس األمريكي «جورج‬ ‫بوش االبن» إسم (اإلرهاب).‬ ‫فطور طبيعي بعسله وجبنه وحليبه وخبزه وبيضه…‬ ‫ما أثار اهتمامي في أول فطور هو أنه ال وجود لقهوة‬ ‫سوداء، فدائما ما تكسر بحليب، فضلت أن احتسي كأس شاي‬ ‫ُ َّ‬ ‫وإفراغ بعض الصحون فقط ! ‬ ‫ً وأن العرس‬ ‫مع اقتراب عرس ابنة الخالة، خصوصا‬ ‫ُ‬ ‫شعبي بكل جوانبه، ال ممون حفالت وال خدم و ال تجهيزات‬ ‫استثنائية، الكل مطالب بالمشاركة في انجاح الفرح.‬ ‫خرجت مع «كريم» من المنزل قاصدين سيارته التي‬ ‫راقتني كثيراً، -»جاب اهلل فاش نطلقو يدينا مزيان»-، مصوبًا‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫نحوي بمفاتحها؛ «شبر ليكلي وخرج اللوطو گاريها انا نلبس‬ ‫12‬
  24. 24. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫النعايل»، مع كثرة المصطلحات الجديدة، كنت أحاول تخزينها‬ ‫ً في مجتمع يملك نقطة قوة عظيمة وهي أنه‬ ‫لإلندماج سريعا‬ ‫ال يغير نفسه من أجل اآلخر، (ماشي بحالنا المغاربة، تلقى‬ ‫بنادم مثقف بشالغمو كيتعوج باش يهضر بالمصرية أو‬ ‫اللبنانية...).‬ ‫شغلت السيارة المرقمة بفرنسا (43)، بدأت اكتشف‬ ‫نوع األقراص الموسيقية المركونة في رفوف السيارة،‬ ‫راي، راي، الرگادة، راي، راي،وقرآن كريم لتمويه الجد،‬ ‫فكانت خالصتي أن الشاب «بلدي» ولن اضطر معه إلعادة‬ ‫حساباتي. ‬ ‫ً الى السيارة، بدأ في تحسس‬ ‫خرج من الباب مسرعا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً «دير‬ ‫بعض األغراض في سيارته، مدني قنينة عطر مازحا‬ ‫الشمة ال تقول ولد خالتك مراهش يتهال فيك»، استوقفني‬ ‫ً‬ ‫لحظة بقوله: «كولشي ديالك، دير لي تحب، راني منعاودش‬ ‫نعرضك». أجبته أنني قررت أن أتصرف كما لو أني في‬ ‫ً.‬ ‫بيتي، وأني قررت كذلك أن أرث مع جدي، مازحا‬ ‫ «كوزان تحب نهودو للڤيالج ؟» ‬‫-كان جوابي طبعا بنعم.‬ ‫22‬
  25. 25. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ «ألي عمل السنتورة !»‬‫ وأنا أحملق في وجهه مشيراً بتراسيم وجهي أني لم‬‫افهم ما يقصده؟ ‬ ‫ «عمل السانتير أبنادم!»، مازحا.‬‫ً‬ ‫شققنا الطريق بين أشجار الكلبتوس الشاهقة ودروب‬ ‫الصبار»المغربي»، بعد وصولنا للفيالج، مدينة «مستغانم»،‬ ‫في الحقيقة لم أجد تلكم الثقافة المغربية في المقاهي، مقاهي‬ ‫شبه فارغة خاصة أنه فصل الصيف وما يرافقه من رحالت‬ ‫وأسفار، جلسنا في مقهى قرب محطة بنزين، في بادئ األمر‬ ‫ظننت أنه أراد إخباري بتوفر الجزائر على حقول نفط... إال‬ ‫ّ‬ ‫أنه هي المقهى التي تريحه حسب كالمه، النادل في عمر قل‬ ‫ً في وجه كريم «اش خبارك‬ ‫ً عن الشيخوخة، مبتسما‬ ‫بضعا‬ ‫مون فيس؟ غاية؟ أجابه كريم: غاية با علي»، طلب كأس‬ ‫شاي وطلبت قهوة، وهو يهم بوضعهما فوق الطاولة توجه‬ ‫النادل بخطاب ساخر البن خالتي؛ «ماحابش تپريزونطي لي‬ ‫كوزان»؟ وأنا أراقب الوضع وأجس النبض، أجابه ابن خالتي‬ ‫ً‬ ‫ساخراً وجاراّ لساني:»موغرابي من الفاميال». ابتسم النادل‬ ‫ً‬ ‫ابتسامة وأردفها بالقول «ألي الكونسماسيون واهلل ماراكم‬ ‫ً بيك كوزان»، رغم اصرار كريم على‬ ‫مخلصينها، و مرحبا‬ ‫32‬
  26. 26. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً‬ ‫الدفع رفض النادل ذلك جملة وتفصيال.‬ ‫تلكم هي عادات المغاربة كذلك، إكرام الضيف هي أولى‬ ‫األركان في ثقافتهم.‬ ‫42‬
  27. 27. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫رحلة، أعراس و أشياء اخرى‬
  28. 28. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫هنا بدأ يندثر «نادر» المستحيي اللطيف...، بعد أن‬ ‫وجد الكل مرتعه في محاولة نبشه بسخريتهم المعتادة،‬ ‫إشتد عودي وصرت أنافسهم في السخرية، فما عساك أن‬ ‫تفعله أمام أناس هم منبع الطيبوبة وخفة الدم! ال شيئ إال‬ ‫اإلنصهار.‬ ‫ مالحظة وجب ذكرها هي تقارب ثقافة األعراس‬‫والمناسبات بين الجزائر والمغرب، عريسين لكن الكل‬ ‫محتفل ومساهم، خاصية تحدد الوجه التضامني بين أفراد‬ ‫المجتمعين.‬ ‫« كريم» نظر إلي طويال وخاطب جدتي وهو يحاول‬ ‫اظهار الجدية:‬ ‫«يما، نالغيو على خالتي ونزوجو نادر، لبارح‬ ‫َّ‬ ‫شفتو يحكر على بنت الجار» - يقصد سعاد إبنة أحد وجهاء‬ ‫َّْْ‬ ‫المدينة-.‬ ‫مستنكراً كالمه وبحياء تجاه جدتي التي لم أكسر حائط‬ ‫االحترام بيني وبينها بعد: «نتا لي باغي تتزوج وكتديرني‬ ‫قنطرة!».‬ ‫62‬
  29. 29. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً‬ ‫الجدة متحسرة: «ليجون ماراهمش يحبو يتزوجو،‬ ‫الزنقة الزنقة...»‬ ‫صادف يومنا هذا يوم جمعة في الجزائر، كنت أنتظر‬ ‫بشوق ما الفرق بين الجمعة في مستغانم وأگادير؟ بعد‬ ‫ً‬ ‫ً صنعا‬ ‫ً جزائريا‬ ‫الوضوء وتغيير المالبس، قدم لي جدي جلبابا‬ ‫ً عن الجلباب الذي عهدته، جلباب بدون‬ ‫ً، مغاير تماما‬ ‫ولباسا‬ ‫«قب»، أيدي قصيرة، جيب في الصدر... حينها علمت أنها‬ ‫ّ‬ ‫ثقافة فتيات البلدة،  يتقن فن الخياطة التقليدية والتطريز وما‬ ‫جاور ذلك من أعمال يدوية.‬ ‫المسجد يبعد حوالي ثالث كيلومترات ورغم ذلك الكل‬ ‫ً بحسنات الخطوات،‬ ‫فضل قطع المسافة على األرجل تيمنا‬ ‫بينما نحن في الطريق بدأ ابن خالتي كريم يخمم في جهر‬ ‫ويتمتم بعض الحسابات؛ نحن في بداية شهر يوليوز، إذن‬ ‫الخامس منها لن يلحق الجمعة القادمة «عرفتي أخالي نادر‬ ‫الخطبة ليوم راها تكون على إستقالل الجزائر»، هنا ابتسمت‬ ‫وخاطبته: «حتا نتوما كتنبؤو بخطب الجمعة، حسابلي غير‬ ‫حنا؟»‬ ‫ً بنبرة حادة: «راه أوبليجي أخالي، بغيتي لفقيه‬ ‫مجيبا‬ ‫يبات عند «المير» وال ؟!‬ ‫72‬
  30. 30. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ها نحن في ساحة المسجد، ال شيئ مغاير عن‬ ‫مساجدنا، أحذية مترامية في كل مكان، كالم وشتائم، سخرية‬ ‫وقهقهات...‬ ‫ولجنا المسجد، بعد التحية وقراءة ما تيسر من القرآن،‬ ‫ً‬ ‫حان وقت اآلذان، هنا انزعجت قليال؛ الجزائر التي ولدت‬ ‫حالقم الراي لم تقدر على والدة ولو مؤذنا واحدا يعطي‬ ‫اآلذان حقه !!! ‬ ‫أنصتوا رحمكم اهلل، ومن لغى فال جمعة له... جلست‬ ‫أتأمل؛ «واش هاد الناس لي كيهضرو كاااملين جمعتهم‬ ‫باطلة» !؟ ‬ ‫لإلشارة فإن هذه الجمعة كانت هي األخيرة قبل خامس‬ ‫يوليوز الذي يصادف عيد استقالل الجزائر من اإلستعمار‬ ‫الفرنسي، بدأ اإلمام في سرد تاريخ الجهاد والكفاح الذي توج‬ ‫التضحيات بالنصر العظيم.‬ ‫هنا تأكدت أنه ال فرق بين مساجدنا ومساجدهم إال في‬ ‫الدعاء الختامي، فهم يدعون لفخامة الرئيس ونحن ندعو‬ ‫لجاللة الملك. ‬ ‫82‬
  31. 31. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫حان وقت البحث عن األحذية، الكل نسي ربه لتوه،‬ ‫سب وشتم ودفع وعفس للثكل، سباق مع البشر لكسب‬ ‫الزمن، ليس لشيء إال للغذاء و»السييست» على حد تعبير‬ ‫الجزائريين.‬ ‫ونحن في طريقنا إلى المنزل فقدنا الجد، كانت مناسبة‬ ‫للتمازح والسخرية من بعضنا البعض، ابن خالتي (الحامل‬ ‫أنذاك إلجازة في االقتصاد - فرنسية)، بدأ في حديث نقدي‬ ‫نحو سياسة بالده والتهميش الذي يطال معظم الجهات...‬ ‫علمت لتوه أنه لم يكن يعلم أن سياسة المساجد متشابهة إلى‬ ‫حد بعيد، ال في التنظيم وال في المضمون.‬ ‫وصلنا للمنزل وفي انتظارنا وجدنا الجد، رغم سنه إال‬ ‫أن العمل والجد و والمثابرة جعلت منه رجال ً، اجتمعنا‬ ‫قويا‬ ‫على «الميدة» في انتظار ما قد تجود به أيادي ابنتة الخالة،‬ ‫طابق كسكس بالحليب! يختلف مع الكسكس المغربي في‬ ‫الشكل والمضمون، علمت أنهم يسمونه «سكسو»، في‬ ‫َُْ‬ ‫حالة جس نبض، مذاق ربما سيجعلني ألعق أصابعي !!!‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مذاق رائع فعال، يختلف قليال عن الكسكس الذي عهدته من‬ ‫ً ما ألفنا الكسكس‬ ‫أيدي أمي، وكذا في طريقة تحضيره، فغالبا‬ ‫بخضر سبع.‬ ‫92‬
  32. 32. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫في أوج حرارة الصيف التي قد تعلو عن األربعين‬ ‫غالب األحيان، مباشرة بعد الغذاء غالبا ما يستلقي الجميع،‬ ‫نحن شعوب تلزمنا راحة بعد استيقاظنا من النوم.‬ ‫«ال بأس أَرواح نديرو السييست أونسومبل».‬ ‫َْ‬ ‫لم يفصلنا إال يومين عن عرس «ذات الهندام‬ ‫ً‬ ‫المحافظ» إبنة الخالة بإبن عمها الذي سألتقيه عشية‬ ‫إلحتساء قهوة، الكل على قدم وساق، تحضيرات من هنا‬ ‫ً بالجيران واألقارب، كل تكلف بما‬ ‫وهناك، منزل صار مليئا‬ ‫يناسبه وجدي على رأس كبار المفاوضين، ال تمر قضية‬ ‫وإال أفتى فيها وهو يتحسس ذقنه، بدأت األسرة في تطبيق‬ ‫َع ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫العادات والتقاليد، حمام بلدي وحناء بأيدي من ت َثر حظها في‬ ‫الزواج، تنظيف وتزيين في كل أرجاء المنزل...‬ ‫خرجت وإبن خالتي للقاء «إبن عمي» المسمى عبد‬ ‫السالم، توجهنا نحو مقهى تنأى المدينة بنحو نصف ساعة‬ ‫ً‬ ‫سيارة، في مدخل و مخرج المدينة، رجال أمن إستثنائيين‬ ‫إضافة إلى حواجز األمن المعتادة، تحقق من الهوية وأسئلة‬ ‫طفيفة تنم عن مستوى حذر األجهزة األمنية، ونحن في‬ ‫ً‬ ‫الطريق، أثارت إنتباهي ظاهرة «األوطوسطوپ»، تماما‬ ‫كمختلف الطرق المغربية، وأنا أمزح خاطبت كريم «جاب‬ ‫03‬
  33. 33. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫اهلل محلوشي الحدود البرية بين المغرب و الجزائر، كون راه‬ ‫درت أوطوسطوپ باش نجي حسن مانقطع لبيي».‬ ‫ً‬ ‫وصلنا إلى مكاننا المقصود، لم يكن إال فضاء سياحيا‬ ‫ً عبارة عن «أوبيرج»، جلسنا في إنتظار‬ ‫ً طبيعيا‬ ‫خالبا‬ ‫«عبسالم» العريس الجديد أو بلسانهم «موالي»، قصدنا‬ ‫النادل وعلى محياه بسمة عمل وإستقبال الزبائن؛ «بونسوار‬ ‫كوزان، أش تحبو تشربو»؟ ظننت أن أيام «الگازوز» قد‬ ‫إنتهت، إلى أن طلبت مشروب غازي» طونيك»، فاجأني‬ ‫النادل بقوله «ف ليبواسون كاين غير لگازوز». عدم‬ ‫درايتي بهذا المشروب فضلت أن آخذ قهوة سوداء دون إثارة‬ ‫سخرية وردءاً لرد فعل النادل.‬ ‫ً‬ ‫ً لوال‬ ‫فجأة ظهر شاب في عقده الثالث، مرتديا لباسا‬ ‫تنقصه ربطة العنق لظننته من الجهاز األمني السري،‬ ‫َُ‬ ‫قامة طويلة، ذقن ح ِق، شعر مثبت، حذاء يلمع، عضالت‬ ‫َل‬ ‫مالكم سابق، إبتسامة طبيعية، «بونسوار كوزان»، موجها‬ ‫كالمه لكريم، بعد التحية والترحاب، تعرفت على «عبسالم»‬ ‫العريس الجديد. ‬ ‫البساطة لعبت دورها في اإلنصهار واإلندماج التام بين‬ ‫أفراد هذا المجتمع.‬ ‫13‬
  34. 34. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫حان موعد العرس، بعد أن تجند الكل إلنجاح هذا الحفل‬ ‫وبإمكانيات بسيطة، فضلت أن أقتني مالبس جديدة تناسب‬ ‫ً أنها المرة األولى التي كان‬ ‫المناسبة، قصدنا متجراً، علما‬ ‫ً شبه رسمي وبربطة عنق،‬ ‫ً كالسيكيا‬ ‫ً علي إرتداء لباسا‬ ‫لزاما‬ ‫لم أكن «أنتوي» وضعها أبداً، وكريم يسخر مني؛ «واااو‬ ‫جيمس بوند الموغرابي» !!!‬ ‫ً‬ ‫فعال سبق لي أن أحسست بما أحس به السيد  بن‬‫كيران رئيس الحكومة حين إرتدائه ربطة العنق ألول‬ ‫مرة-‬ ‫أرغمني على إرتداء لباسي الجديد لحظة شرائه كما فعل هو،‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫متجهين نحو المنزل ليال، تارة يسخر مني وتارة يرفع من‬ ‫معنوياتي، لحظة وصولنا إلى المنزل كانت النقطة الفاصلة‬ ‫التي كسرت حائط الحياء المفرط تجاه جدتي، إذ قابلتني‬ ‫بزغرودة وأهازيج توحي أني «موالي» !!!‬ ‫غداً يوم العرس ولنا لقاء للتعرف على بعض العادات‬ ‫والتقاليد وإكتشاف الفروق بين ثقافاتنا.‬ ‫23‬
  35. 35. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫عرس،نشاط،تقاليدوأشياء أخرى‬
  36. 36. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫صباح يومه السبت، كالعادة الكل منشغل بإستعدادات‬ ‫وتدابير العرس، اللمسات األخيرة قبل اإلعالن الرسمي‬ ‫عن إنطالق فعاليات العرس الذي يننظره كل ساكنة البلدة،‬ ‫الكل مدعو إما للمساهمة أو لإلحتفال، فتيات البلدة ينشدن‬ ‫ويرقصن على أنغام بعضهن، حناجر منبع الزغاريد، منزل‬ ‫مكسي بأعالم تطغى عليها األمازيغية منها، شباب ينصبوا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خيمة ضخمة إلحتواء الفرح، نساء يساعدن َفقيرة» في‬ ‫«ل ْ ِ َ‬ ‫َُْ‬ ‫إعداد الطعام، الجد في بذلة إعتاد على ارتدائها حين يستدعى‬ ‫ً لحضور حفالت تكريم «القدماء المقاومين»، كريم‬ ‫أحيانا‬ ‫في طور التأكد من إستعدادية الفرقة الموسيقية الرئيسية‬ ‫للعرس، العروسة منشغلة في التأكد من إختيارات المالبس‬ ‫التقليدية التي ستقدمها على شكل «تصديرة»- هي عبارة عن‬ ‫ً بغناء ورقص وحلويات‬ ‫عرض أزياء أمام النساء، مرفوقا‬ ‫مملحة-، شباب البلدة همهم الوحيد هو إختيار الفرق‬ ‫َُ‬ ‫الموسيقية التي ستحيي العرس، وعبد ربه يزين السيارة بما‬ ‫ََ‬ ‫توفر من زينة، كل إنشغل بما يهمه.‬ ‫ما الحظته بشدة هو إقبال العروسة على إقتناء كل‬ ‫ً‬ ‫يحلو لها، أشياء نفيسة فعال من مالبس تقليدية وحلي‬ ‫ِِ‬ ‫و»حسنيات»... قد تصرف العروسة ما قد يكفي لمصاريف‬ ‫ً‬ ‫العرس كامال.‬ ‫43‬
  37. 37. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً قدوم الوفود المدعوة وغير‬ ‫بعد الظهيرة يبدأ رسميا‬ ‫المدعوة، الجد يسهر على إستقبال الرجال وتوجيههم‬ ‫ً‬ ‫إلى قاعة الحفل الطبيعية، أما الجدة فهي المكلفة رسميا‬ ‫ً‬ ‫بتطبيق العادات وإستقبال الضيفات وهدايهن المختلفة شكال‬ ‫ً و إرشادهن إلى قاعة فسيحة داخل المنزل.‬ ‫ومضمونا‬ ‫في إنتظار صفارة الحكم ليعطي انطالقة المباراة،‬ ‫انزويت مع كريم في ركن ساحة خارج المنزل تحت ظل‬ ‫أشجار عمالقة ألخذ قسط من الراحة، آخذين بعين اإلعتبار‬ ‫أن العرس هو نشاط حتى مطلع الصبح.‬ ‫بعد أخذ ترياق المساء، صار كل شيء رسمي، إختلط‬ ‫الحابل بالنابل، ال مجال لمعرفة أهل المنزل من الضيوف،‬ ‫ً من كريم إلى حين ظهور معالم العرس.‬ ‫قررت أن أبقى قريبا‬ ‫بدأت الحركة تدب ومعها معالم وأحداث العرس بقدوم‬ ‫الفرقة الموسيقية في سيارة ظننت أن صنفها إنقرض مع‬ ‫خروج الفرنسيين من الجزائر، عجلة مثقوبة، صفيحة‬ ‫«زنگ» بدل الزجاج الخلفي، مرآة منزلية بدل المرآة‬ ‫األصلية، طالء كوجه بهلوان، في الزجاج األمامي ملصق‬ ‫تشجيع رياضي»وان تو ثري ... ڤيڤا اللجيري»- هنا تذكرت‬ ‫الهزيمة القاسية التي ألحقها المنتخب المغربي بنظيره‬ ‫53‬
  38. 38. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫الجزائري بثالث أهداف لواحد-، و أنا أنتظر بفارغ الصبر‬ ‫نزول الفرقة الموسيقية واحداً تلو اآلخر، تارة مصافحة‬ ‫األعضاء وتارة أستقبل معاني المباركة إلى أن أقدم السائق‬ ‫عرفت فيما بعد أنه العازف على الكمان-، على غلق صندوق‬‫ً بأقفال إضافية.‬ ‫السيارة مستعينا‬ ‫ً ابن خالتي؛ فين الشيخات أخالي !؟‬ ‫و أنا مخاطبا‬ ‫«عرس زيرو هادا أخالي». ‬ ‫هنا إكتشفت الفرق بين الفرق الموسيقية في األعراس‬ ‫الشعبية المغربية التي تحيي األعراس و المناسبات‬ ‫والجزائرية، إذ أنه ال وجود لـ «الشيخات» في األجواق‬ ‫الشعبية الجزائرية.‬ ‫وفي خلسة للنظر، أبهرني جو اإلحتفاالت في محيط‬ ‫النساء، بنادير ودفوف، فتيات مشتاقات للغناء والرقص أمام‬ ‫أنظار أمهاتهن، لما ال ونهاية نشاطهن يحل مع بداية الجلبة‬ ‫الذكورية وأبواق الجوق الشعبي.‬ ‫ً‬ ‫عقارب الساعة تشير إلى العاشرة ليال، الكل متحمس‬ ‫لبداية العرس وأنا أولهم، الجوق يضع آخر الروتوشات للتأكد‬ ‫من صحة المعدات، جماهير بدأت تتقاطر من كل صوب،‬ ‫63‬
  39. 39. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بدأت أعضاء الفرقة الموسيقية تأخذ مكانها، فجأة ظهر كبير‬ ‫المفاوضين -الجد- وهو يشير للجموع؛ «مرحبا بكم ونهار‬ ‫كبير هادا لي جيتو»... وهو ينظر إلى «رايس» الجوق‬ ‫َْ‬ ‫وبنبرة شبه تأكيدية؛» نقا ! عنداك !»‬ ‫وأنا أتحسس ربطة عنقي التي لم ألفها، تارة أحزمها‬ ‫ً‬ ‫وتارة أرخي ربطها وفي ظني أن الكل ينظر إلي، وسوسة‬ ‫ّ‬ ‫«لگرافاط» هاته جعلتني أحاول تناسيها بتذكرها كل لحظة.‬ ‫كريم إبن خالتي هو من ألف اللباس الكالسيكي وثقافة‬ ‫ِ‬ ‫األعراس الشعبية، وهو في قمة األناقة، حامال في يده‬ ‫«كاميرا» وهي حالل على أهل المنزل وحرام على اآلخرين‬ ‫نظراً للثقافة المحافظة التي تسيطر على العائلة، لما ال وهو‬ ‫ِ‬ ‫النائب األول والمسؤول الثاني عن العرس برمته بعد الجد‬ ‫َ‬ ‫«يدار»، هنا بدأ كريم تقاسمه المسؤوليات معي وبشكل حازم‬ ‫ّ ْ‬ ‫ِّ‬ ‫ً أن جدي «يدار» إكتفى بمسؤلية السهر على‬ ‫وجدي، علما‬ ‫ِ‬ ‫ْ َّ ْ‬ ‫راحة أصدقائه من رفاق النضال والجهاد وجيران في سنه‬ ‫وأفراد عائلة يتفادون الضجيج فقط، ما جعل كريم منه اآلمر‬ ‫والناهي والمفتي في كل األحداث، هاتف ال يكف عن الرن،‬ ‫اسم «كريم» انطلت به كل أرجاء المنزل، تارة يكبح جماح‬ ‫ً‬ ‫غضبه وتارة يصبه على من ساءه الحظ.‬ ‫73‬
  40. 40. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بإتفاق معه وبمساعدة بعض شباب العائلة، قررت أن‬ ‫ً من الراحة‬ ‫أتكلف بتقديم العشاء للضيوف حتى يأخذ هو قسطا‬ ‫ً كما خططنا وكما كنت أظن، ال فرق بين‬ ‫إستعداداً للقادم، تماما‬ ‫عشاء العرس الجزائري واألعراس المغربية التي سبق لي‬ ‫حضورها، تراتيب قبل وضع العشاء جعلت من الجموع 31‬ ‫«ميدة» وكل واحدة منها إحتوت عشراً بعد أن أخذ أحد كبار‬ ‫العائلة ميكروفون الجوق وهو ينادي في الجموع؛ «رواحو‬ ‫ْ ُ‬ ‫تتعشاو، مرحبا بكم كاملين».‬ ‫عشاء تقليدي شعبي، لحم بالزيتون األخضر ثم دجاج‬ ‫مشوي مع الزبدة البلدية وخبز تنبعث منه رائحة «النافع»،‬ ‫ومشروبات غازية باردة إضطررنا إلى وضعها في بئر بارد‬ ‫لتكتسب البرودة نظرا لكثرتها وال جدوى للثالجة في صيف‬ ‫حارق.‬ ‫ونحن في طور تقديم العشاء، كنت مضطراً ألفقد ربطة‬ ‫عنقي بعد تحسسها ويدي متسخة بمرق إحدى الصحون،‬ ‫ً‬ ‫ضريبة على الوسوسة، وكريم يسخر مني؛ « أش داك‬ ‫ألموغرابي تلبس لكرافط «؟!‬ ‫ربما هي عقدة سترافقني طول حياتي، إذ صرت ال‬ ‫أستغني على ربطة العنق أبداً.‬ ‫83‬
  41. 41. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بعد إنتهاء العشاء، حان وقت «الهضم»، حمل مقدم‬ ‫الجوق في يده ورقة و ً وهو يطوف على الجموع ويسجل‬ ‫قلما‬ ‫!‬ ‫سألت أحد األصدقاء عن ماهية العملية فأجابني وهو‬ ‫ََ ْ ْ‬ ‫يحملق في وجهي؛ «نتا مراكش مستغانمي !؟ راه يقيد‬ ‫فالدياسك لي راه يغني». ‬ ‫يا له من كرم وإحترام للضيوف ! أن تحضر‬ ‫ً بدون دعوة فال بأس، وأن تأخذ قسطك من العشاء‬ ‫عرسا‬ ‫والمشروبات والحلويات فذلك عظيم، لكن أن تتحكم في ما‬ ‫َُّ‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫سيعزف ويغنى فتلكم قمة الكرم.‬ ‫بدأ الجوق في عزف بعض المقطوعات التي تتغنى‬ ‫بالعروسين وأهلهما، وبعد فترة قصيرة ظهر بعض‬ ‫«المهلوسين» بقنينات «إبراهيم زنيبر» المغربي!‬ ‫ُ ََْ‬ ‫ً ما ينتهي بهم المطاف في كراسي إضطرارية‬ ‫والذين غالبا‬ ‫ً» للمالكم العريس.‬ ‫«إحتراما‬ ‫سيطرت طلبات أغاني «الراي» و «الرگادة» والقليل‬ ‫من «العلوي»، هرج ومرج والكل يغني ويرقص في لحظات‬ ‫ينسى اإلنسان إسمه؛ كأحد أبناء البلدة الذي ظل يناديه‬ ‫93‬
  42. 42. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫صديقه لوقت طويل قبل أن يلتفت إليه «راني سهيت على‬ ‫سميتي».‬ ‫بعد أن أنهى كريم بعض األمور، تفرغ هو كذلك ألخذ‬ ‫قسط من الفرح، وهو يجرني للرقص، رغم رفضي بدعوى‬ ‫عدم المعرفة وأمام إصراره وبداية تغير مالمح وجهه،‬ ‫إضطررت لإلستمتاع بالرقص على نغمات الركادة والراي،‬ ‫قبل أن أنغمس في هذا الجو وأنسجم في حفل إكتشفت أنه‬ ‫كان لحظة إنتظار كل شباب البلدة، لما ال، ونحن سنعيش‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حياة واحدة وال وجود للخلد !‬ ‫بعد مرور مدة قصيرة على بداية الجوق، أحد أعضاء‬ ‫الجوق وفي يده ميكروفون؛ فالن ولد فالن، 005 دينار،‬ ‫حاب أغنية ...، إنه « التبراح» بالعامية الجزائرية، «التعالق‬ ‫أو لغرامة « بالمغربية.‬ ‫الفرق الوحيد في هذه العملية هو أن «التعالق أو‬ ‫لغرامة» المغربي يالزم «الشيخات» في األعراس، أما‬ ‫ً ما يالزم كل أعضاء الجوق رغم‬ ‫«التبراح» الجزائري فغالبا‬ ‫عدم وجود «شيخات» بينهم.‬ ‫بين الفينة واألخرى تظهر بعض المشادات الكالمية‬ ‫04‬
  43. 43. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً باأليدي، إال أنها كانت حاالت شاذة وال تعبر عن ثقافة‬ ‫وأحيانا‬ ‫ووعي وإحترام الحاضرين لمنزل العرس.‬ ‫اليوم األول من العرس شارف على اإلنتهاء كما بدأ،‬ ‫تدبير وتنظيم محكم ً بمساعدة الحاضرين، الساعة تشير‬ ‫طبعا‬ ‫إلى ما بعد الفجر بدقائق، بدأت الجموع الحاضرة تنسحب‬ ‫ً لجثث‬ ‫لحال سبيلها حتى تحولت الساحة الفسيحة مرتعا‬ ‫بشرية قد أعياها الرقص والنشاط وإضطرت للنوم خارج‬ ‫المنزل آخذين الجو الدافئ غطاءاً لهم.‬ ‫اليوم األول من العرس قد مر بسالم وسالسة، ال‬ ‫َّ‬ ‫مشاكل وال معيبات لعرس نظم نفسه بنفسه بعد أن كنت‬ ‫ً من عدم قدرة الشاب ابن الخالة على التحكم في‬ ‫متخوفا‬ ‫أطواره. ‬ ‫غداً سيكون اليوم الثاني من العرس، لكن هو في بيت‬ ‫العريس عبد السالم «المالكم».‬ ‫14‬
  44. 44. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ثاني أيام العرس، أو بعبارة أخرى‬ ‫«نهار قولبوني خوالي «‬
  45. 45. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بعد مرور األربعة و عشرين ساعة الالزمة على بدأ‬ ‫ً ما يدوم العرس يومين على األقل، ليلة‬ ‫التقاليد حيث غالبا‬ ‫العروسة و تكون في منزلها و على نفقة أهلها، ثم يوم‬ ‫العريس أو باألحرى ليلته المنشودة، و تكون إما في منزله‬ ‫أو في إحدى قاعات األفراح .‬ ‫اليوم الثاني للعرس سيكون في قاعة حفالت وسط‬ ‫مدينة و»هران»، اضطر العريس إلكمال مراسيم عرسه في‬ ‫قاعة حفالت نظراً للضيق الذي يالزم شقق السكن اإلقتصادي‬ ‫و تأثير الضجيج الذي سيحدثه العرس على باقي الجيران‬ ‫الذين تفصلهم و العرس مجرد «ياجورة» بسمك العشرين‬ ‫سنتيمتراً. ‬ ‫34‬
  46. 46. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫هنا تظهر فوائد العرس خارج المدن المكتظة بالسكان‬ ‫و البنايات، فلتحيى األعراس التي تقام على هوامش المدن !‬ ‫بعد مرور يوم من الضجيج و التعب و الرقص و‬ ‫الفرح، حان وقت اإلستعداد لمرافقة العروسة نحو القاعة‬ ‫التي سينظم فيها « ليلة العريس»، و بعد رفضي مرافقة‬ ‫ً‬ ‫موكب العروسة لدواعي تبريرية فقط، كان القرار حاسما‬ ‫من كل األفراد، كيف ال و أن العروسة هي إبنة الخالة، فكان‬ ‫ً الفرحة و إسعاد العائلة و لو بمشاركة بسيطة.‬ ‫لزاما‬ ‫في إنتظار قدوم موكب العريس الذي سيخطف العروسة‬ ‫من أهلها نحو وجهة واضحة اإلطار و مجهولة المعالم،‬ ‫الزواج، بدأت العائلة في اإلستعداد لموكب العريس، الجدة‬ ‫و باقي نساء العائلة تحطن بالعروسة الفتية الشابة لرفع‬ ‫معنوياتها كيف ال و هي التي لم يسبق لها أن  عرفت معنى‬ ‫« الحب» حتى و إن كانت مدمنة على المسلسالت المكسيكية‬ ‫و التركية عالوة بباقي صديقاتها في السن، فهو إدمان شكلي‬ ‫فقط لتكسير روتين أجواء المنزل.‬ ‫ً‬ ‫أما الجد فلم يهدأ له بال، كيف له أن يترك منزله ليلة‬ ‫ً‬ ‫كاملة بدون حسيب وال رقيب !‬ ‫يطعم المواشي و الدواجن و يرويها، يحكم غلق‬ ‫44‬
  47. 47. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫األبواب، يتأكد من كل شيء دون مباالة العرس.‬ ‫كريم إبن خالتي استفاق لتوه و عيناه مفقعتان من شدة‬ ‫التعب و السهر، و على ظهره منشفة يتجه نحو حمامهم‬ ‫البلدي الذي كنت أستمتع به رغم حرارة الصيف الحارقة.‬ ‫« حمام بلدي عبارة عن قبو تحت أرضي، مهيأ‬ ‫بطريقة يدوية، خرسانة في األرضية بعد أن فرش بالملحة‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫الحية...مغطى بغالف بالستيكي سميك للحفاظ على حرارة‬ ‫َ ِ‬ ‫ً كبعض الحمامات التي يبنيها المغاربة قرب‬ ‫الحمام، تماما‬ ‫ً‬ ‫منازلهم خاصة في الضواحي، إال أن الفرق الوحيد هو المادة‬ ‫المستعملة إليقاد و تسخين الحمام، فالمغاربة يستعملون‬ ‫الخشب و مشتقاته نظراً لوفرته أما الجزائريون فهم يفضلون‬ ‫إستعمال البنزين كوقيد نظراً لتوفره و بخص ثمنه».‬ ‫كل منشغل بما يهمه، أما أنا فال شغل لي إال أن أنتظر‬ ‫جفاف ربطة عنقي التي فقدتها ليلة أمس و أنا أتحسسها‬ ‫بيدي المتسخة ً من إحدى الصحون، حذاء يلزمه المسح،‬ ‫مرقا‬ ‫فوضى عارمة في لباس لم ألفه بعد،...‬ ‫ً‬ ‫فجأة ! منبهات صوت تعلو البلدة، موسيقى تنبعث من‬ ‫44‬
  48. 48. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫نوافذ سيارات اختلفت جودتها و قيمتها حسب «موديلها»،‬ ‫أعالم بيضاء ترفرف على جنباتها، نعم إنه موكب العريس‬ ‫ً ضجة لم تعهدها البلدة، و معها بدأت أهازيج‬ ‫قد أتى محدثا‬ ‫النساء بالتمني للعرسان الرفاه و البنين، زغاريد تمأل‬ ‫الجنبات، كؤوس حليب و أطباق الثمور بعد اإلستقبال و‬ ‫الترحيب.‬ ‫ً نظراً لبعد المسافة بين منزل‬ ‫حان وقت المغادرة سريعا‬ ‫العروسة و مدينة «وهران» مقام العريس.‬ ‫و أنا أراقب سيارة إبن خالتي حتى ال أفقد مكاني، عاد‬ ‫ً‬ ‫الموكب من حيث أتى حامال العروسين في سيارة واحدة بل‬ ‫و في مقعدين ملتصقين، ألول مرة نظراً للتقاليد و العادات‬ ‫المحافظة ً.‬ ‫طبعا‬ ‫بعد ساعة و نصف من الطريق وصلنا إلى قاعة‬ ‫األفراح و التي تنم عن حضارة و تقدم أهل المدينة، عرفت‬ ‫أنه ال مجال للتشبيه بين العرس الذي شهدناه ليلة أمس‬ ‫و بين ما سيكون اليوم فال مجال للمقارنة، شاحنات ممون‬ ‫حفالت مركنة بجنبات القاعة و حراس في أبوابها، كامرات‬ ‫تمأل جنبات القاعة، حلوى بالتقسيط، ...‬ ‫64‬
  49. 49. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫هنا قررت أن ألتزم الصمت و آخذ مكاني بين من‬ ‫أعرفه و أحاول اإلستمتاع بالحفل، رغم أن التنظيم المفرط‬ ‫يزعجني و يجعلني مقيداً.‬ ‫بدأ عرس « الشيكي» الذي لم أستحمله منذ بدايته،‬ ‫ال رقص و ال غناء شعبي و ال راي و ال رگادة، كلمات حب و‬ ‫رومنسية مصرية لبنانية و غناء « بوسي لواوا»...‬ ‫هنا قصدت كريم و قررت اإلنسحاب بعد أن أمدني‬ ‫بمفاتيح سيارته التي قررت أن أستلقي في مقاعدها الخلفية‬ ‫تاركا عرس « زويزووات» وراء ظهري، بعد المدة التي‬ ‫قضيتها مع أخي و صديقي و إبن الخالة « كريم»، صار‬ ‫يفهم مالميح وجهي و نبرات كالمي دون أن يلح علي ما إن‬ ‫رفضت ً.‬ ‫شيئا‬ ‫مع مرور الوقت و اقتراب وقت العشاء، قدم كريم‬ ‫و أحد إخوة العريس، قدم و في يده صحن عشاء، بسطيلة‬ ‫و ً من هذا القبيل... و هو يسخر مني ؛ «الموغرابي‬ ‫شيئا‬ ‫ماراكش مولف لومبيونص !‬ ‫تناولت بعض الشيء و أنا أتساءل « فوقاش نروحو‬ ‫لمستغانم ؟»‬ ‫74‬
  50. 50. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أجاب كريم بنبرة ساخرة؛» غدوا إن شاء اهلل «. ‬ ‫ً‬ ‫هنا قررت أن أنزل السيارة و أستكشف قليال محيط‬ ‫القاعة، بعد مغادرتي السيارة مباشرة قررت أن ألج إحدى‬ ‫مقاهي األنترنيت لتصفح بعض المدونات التي كنت أتابعها و‬ ‫أفتح « اإلم إس إن» ألرى إن كان هناك من قد يمضي وقتي،‬ ‫ُْ ِ‬ ‫دخلت مقهى األنترنيت و أنا أراقب مفاتيح السيارة و بعض‬ ‫أغراضي الشخصية، وقفت أمام الواجهة و عيناي ترقرقان‬ ‫لهاتف كثر حوله القيل و القال، لما ال يكون هو أول هاتف‬ ‫سأمتلكه، و بدوره التذكار الذي سيترك بصمته من بالد األم‬ ‫!؟‬ ‫سألت صاحب المقهى عن الجودة و الخصائص‬ ‫ً حين تحدثت له‬ ‫و الثمن، هنا كنت قد إرتكبت ً فادحا‬ ‫خطأ‬ ‫بالدارجة المغربية، فكان علي التحدث إما بالفرنسية أو تقليد‬ ‫اللهجة الجزائرية حتى أضمن حقي في الجودة و الثمن.‬ ‫وجد البائع ضالته و هو يذكر الخصائص؛» وي كوزان‬ ‫هادا پورطابل مجهد، نوكيا 0066، كارط ميموار و كاميرا‬ ‫و...».‬ ‫ال يهمني ما يسرده علي بقدر ما يهمني أن معظم‬ ‫84‬
  51. 51. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫ً مثله.‬ ‫األصدقاء في المغرب يمتلكون هاتفا‬ ‫و ما بالك أن تتجادل على الجودة و الهاتف مازال في‬ ‫علبته !!!‬ ‫و يبقى الثمن نقطة الحسم، خمسة عشر ألف دينار‬ ‫جزائري أي حوالي األلف و خمسمائة درهم مغربي أنذاك،‬ ‫و ما شجعني هو أن ثمن ذلك الهاتف في المغرب أنذاك كان‬ ‫يراوح الثالث آالف درهم.‬ ‫أدفع الثمن و في ذهني ؛» صيدت الرخى».‬ ‫وضعت الهاتف في علبته و أنا أبتسم، قررت أن أقضي‬ ‫بعض الوقت على األنترنيت، أخذت مقعداً و بدأت في فتح‬ ‫حسابي على « إم إس إن» الذي كان يطغى على كل البرامج‬ ‫ً‬ ‫و المواقع اإلجتماعية، فجأة و أنا أرى مؤشر الفأرة يتحرك‬ ‫لوحده ! علمت أنه برنامج مراقبة يثبته أصحاب مقاهي‬ ‫األنترنيت في الحواسيب للتجسس على زبائنهم !‬ ‫قررت أن أغادر األنترنيت فوراً و دون أن أبدي أي‬ ‫ردة فعل، أغلقت الحاسوب و قصدت المسير؛» شحال عندي‬ ‫؟»، أجاب بنبرة ندم عما فعله، « بالش كوزان ماعندك‬ ‫والو».‬ ‫94‬
  52. 52. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫خرجت من مقهى األنترنيت مشوش الخاطر، «زعما‬ ‫عالش هاد لخصايل دوالو ! حيت أنا ماشي ولد لبالد «؟‬ ‫ربما نعم و ربما ال، قد يكون التجسس على الزبائن‬ ‫من عاداته .‬ ‫كانت رغبتي في قضاء حاجتي البيولوجية أشد من‬ ‫أي شيئ آخر، إلى أن لمحت عيناي الالزمة الشهيرة لدى‬ ‫المغاربة « ممنوع البول و رمي األزبال...» على حائط إحدى‬ ‫الدور الخالية.‬ ‫إضطررت أن أجلس في مقهى ال تبعد قاعة العرس‬ ‫ً‬ ‫إال أمتاراً معدودات، أحتسي قهوة و إن لم ترقني، تارة أقرأ‬ ‫جرائداً تتغنى بمستوى المنتخب الجزائري في إقصائيات كأس‬ ‫إفريقيا 4002 و تارة أشاهد التلفاز... ‬ ‫ً و العرس لم ينتهي‬ ‫الساعة تشير إلى الثانية صباحا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بعد، قررت أن أركب السيارة ثانية و أنام و لو قليال بدل‬ ‫التسكع في مدينة أصبحت مصابيح شارعها قادرة على‬ ‫تمييزي من أبناء المدينة.‬ ‫05‬
  53. 53. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫استلقيت في المقاعد الخلفية حتى سمعت يداً تطرق‬ ‫نافذة السيارة، كريم إبن خالتي و هو يوقظني و في يده‬ ‫كأس قهوة سوداء علها تمحو آثار النوم البادية علي، و هو‬ ‫َ‬ ‫يبشرني أن وقت العودة في حال سبيلنا قد يحين بعد نصف‬ ‫ساعة.‬ ‫إنتهى العرس و تجمعت العائلة حول السيارة لقطع‬ ‫ً‬ ‫الساعة و نصف عودة إلى المنزل، شغلت محرك السيارة‬ ‫إستعداداً للرحيل، و أنا أسمع بعض عبارات التأنيب توجه‬ ‫َُ ّ‬ ‫َ‬ ‫نحو إبن خالتي: « عالش تخليه ينم فاللوطو «! إنه العريس‬ ‫ً العائلة، و هو يعانقني و يطلب  مني أن‬ ‫ً مودعا‬ ‫شخصيا‬ ‫أعذره ً منه أنه قد قصر في حقي، إال أني أقنعته أن كل‬ ‫ظنا‬ ‫شيء عادي و هو مضطر للسهر على أشياء أخرى... و‬ ‫كريم يساندني في إقناعه.‬ ‫ً و نحن نهم بدخول المنزل، رغم‬ ‫السابعة صباحا‬ ‫التعب و السفر و الضجيج، قرر الجد كعادته القيام بدورة‬ ‫إستطالعية قبل أخذ قسط من الراحة.‬ ‫بعد اإلستراحة الطويلة التي دامت نصف اليوم،‬ ‫إستفاقت الجموع على فوضى المنزل بعد العرس، مازالت‬ ‫آثار التعب بادية على الكل، قررت أن أفاجئ إبن خالتي بما‬ ‫15‬
  54. 54. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫فعلته ليلة أمس دون علمه: «راني شريت بورطابل أخالي».‬ ‫أخذ إبن الخالة «كريم» الهاتف في يديه و هو يحاول‬ ‫إكتشاف الخلل متأكدا أني كنت عرضة لعملية نصب و إحتيال،‬ ‫الهاتف أصابه فيروس رقمي حطم ذاكرته و جعله يصاب‬ ‫بالشلل التام !‬ ‫كريم و هو يوجه خطابه لي:» هادا راه أوندوماجي أأ‬ ‫خالي، قولبوك، بلحق ميبقاش فيك الحال قولبوك غير خوالك‬ ‫!‬ ‫25‬
  55. 55. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫الطريق نحو شاطئ « جيجل»‬
  56. 56. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بعض إنقضاء يومي العرس و مراسيمه، قررنا أنا و‬ ‫إبن الخالة مغادرة «مستغانم»، فكان من الضروري اختيار‬ ‫بين وجهتين؛ إما البحر و شاطئه بصخبه و جموح رواده، و‬ ‫إما الجبال و الغابات بسكونها و راحة بالها.‬ ‫بعد أخذ و رد وقع االختيار عليهما االثنين، فضرب‬ ‫ً‬ ‫العصفورين بحجر واحد كان حال يرضي كال الطرفين بعد‬ ‫أن تشبثت برأيي القاضي بالتوجه لمجال طبيعي سواء غابة‬ ‫ً لضوضاء و صخب الشواطئ، و‬ ‫أو جبال أو ما شابه تفاديا‬ ‫تشبث إبن الخالة بعرضه الذي يدل على حبه و رغبته في‬ ‫قضاء األيام على شاطئ البحر.‬ ‫وقع االختيار على شاطئ « جيجل»، و الذي يعتبر من‬ ‫أحسن الشواطئ الجزائرية نظرا لشساعته و جودته ثم قربه‬ ‫من مجال غابوي و مناظر طبيعية ممتدة على طول الطريق‬ ‫الرابط بين «مستغانم» و «جيجل» مروراً بمجموعة من‬ ‫المدن و التجمعات الحضرية و القروية منها، -حاسي، بحبح،‬ ‫بوسعادة، الجلفة، مسيلة، سطيف، وقاس...-.‬ ‫دام التخطيط و اإلستعداد قرابة اليوم، بعد جمع‬ ‫أغراضنا و التي ال تختلف عن أي مقبل على رحلة قد تدوم‬ ‫األسبوع أو أكثر من ذلك؛ حقائب ظهر، منشفات بالجملة،‬ ‫45‬
  57. 57. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أغراض إستحمام و إستجمام، مظالت لمضاهاة شمس‬ ‫حارقة، وثائق شخصية لتفادي كل ما من شأنه إفساد الرحلة،‬ ‫ٍ‬ ‫ثم ما تيسر و توفر من الدينار الجزائري.‬ ‫أما ابن الخالة كريم فتكلف بكل ما يهم السيارة، وثائق‬ ‫و مراقبة تقنية للسيارة، بعض التعديالت البسيطة على‬ ‫المحيط الداخلي للسيارة حتى تستطيع تحمل كل أغراضنا...‬ ‫شيئ أثار انتباهي قبل االنطالق، كانت عادتي في‬ ‫ً، أن يقوم‬ ‫المغرب أن يقوم كل راغب في السفر و لو قريبا‬ ‫بملئ خزان وقود سيارته عن آخره، أما في الجزائر فقد‬ ‫صدمني إبن الخالة عند إقتراحي له بذلك، بقول»؛ جامي‬ ‫تبقا أومپان فاللجيري كوزان، فين تأريطي اللوطو خرج‬ ‫ً ً‬ ‫للطريق عمل طرو فأقرب قادوس يدي البترول». مازحا طبعا‬ ‫و لكن في طيات ذلك شيئين: أولهما استهزاء ضمني بي‬ ‫لعدم توفرالمغرب على النفط، و ثانيهما تهاون الجزائريين‬ ‫في اتخاذ الحيطة و الحذر قبل االنطالق في قطع المسافات‬ ‫ً‬ ‫الطويلة، علما‬ ‫المسافة التي سنقطعها اليوم قد تفوق األلف كيلومتر.‬ ‫غداً فجراً ستكون ساعة االنطالق في طريق « شاطئ‬ ‫جيجل» و استكشاف ما يصادف طريقنا.‬ ‫55‬
  58. 58. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫عشاء مع العائلة التي أصبحت مكونة من الجد و الجدة‬ ‫ٌ‬ ‫و إبن الخالة فقط بعد أن فقدت األسرة فردها الرابع، إبنة‬ ‫الخالة التي تزوجت قبل يومين، باالضافة إلي أنا الضيف‬ ‫َ‬ ‫ً في جو العائلة و حتى المجتمع،‬ ‫المنغمس و المنصهر تماما‬ ‫رغم بعض الحاالت الشاذة، و الشاذ ال يقاس عليه.‬ ‫بعض النصائح و االرشادات التي تفوح من أفواه‬ ‫ً ما تصب‬ ‫الجدين، تارة لي و تارة ألبن الخالة، و التي غالبا‬ ‫في عدم االنسياغ وراء الشهوات و أخذ الحيطة و الحذر...‬ ‫جاء وقت اخذ قسط من الراحة استعداداً لما سيؤول غداً.‬ ‫ٍ‬ ‫ً، إستيقاظ اضطراري‬ ‫الساعة الرابعة و النصف صباحا‬ ‫بعد رن جرس الهاتف و كتمه لمرات عديدة، عيون شبه‬ ‫مفتوحة، ركض وراء الوقت، لما ال و المسار المراد قطعه قد‬ ‫يأخذ منا حوالي عشر ساعات كاملة، لكنها ستكون مضاعفة‬ ‫نظراً لدرجة الحرارة المرتفعة جداً في منتصف النهار.‬ ‫بعد إعداد السيارة و بعض اللمسات االخيرة، حان‬ ‫موعد االنطالقة، ركبت السيارة في صمت رهيب يوحي في‬ ‫ً ما، لما ال و نحن اإلثنين لم‬ ‫الوهلة االولى أن هناك خصاما‬ ‫نلف االستيقاظ باكراً، قبل ظهور نور الشمس قررت ان أتمم‬ ‫ً ما كان يوقظني بين‬ ‫نومي رغم مناوشات كريم الذي غالبا‬ ‫الفينة و األخرى، إلى أن ظهر نور الصباح الذي صادف‬ ‫65‬
  59. 59. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫تواجدنا في التجمع الحضري « الشلف»، كانت مناسبة‬ ‫لإلستفاقة النهائية و أخذ شيئا من فطور الصباح؛ عسل‬ ‫ً بقهوة سوداء قد تجدد‬ ‫بمذاق الزهور و كأس ليمون ختما‬ ‫نشاطنا.‬ ‫بدأت بوادر الرحلة تتظح، و بدأت معها الحركة‬ ‫تدب في محيط السيارة، تشغيل المذياع « نسمعو‬ ‫ليزانفورماسيون» على حد تعبير كريم، و أخبار كلها تصب‬ ‫في تخليد الجزائر لعيد استقاللها... تصادفت يدانا على قرص‬ ‫أغاني واحد، كان آخر ألبوم لألصلع «بالل»، إيقاع متميز‬ ‫يناسب المرحلة العمرية الشبابية، كلمات شعبية جزائرية‬ ‫تكاد تكون مفهومة ، حماس في اآلداء، من فينة ألخرى يمد‬ ‫كريم يده لتغيير القطعة و هو يقرأ مالمحي التي اضطر معها‬ ‫تغيير القرص إلى مغني آخر، « الهواري الدوفان» و ألبومه‬ ‫الجديد « نفكر فيك»، إستقر اإلختيار و توافق على هذا‬ ‫القرص، حتى ال يذهب تفكيركم بعيداً و تظنوني أني كنت أفكر‬ ‫في بالدي أو عائلتي أنذاك، أقول و أجزم أني كنت أفكر في «‬ ‫صديقة»، كنا قد قضينا موسمين دراسين كاملين و نحن ً،‬ ‫معا‬ ‫بعيداً عن أي تأويالت خارج سياق الصداقة و األخوة.‬ ‫75‬
  60. 60. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫« و من يبالي مبن لم يبالي به ملدة تقارب العقدين !»‬ ‫بعد قطعنا لمسافة ال بأس بها، كنا قد إقتربنا من‬ ‫التجمع الحضري لوالية «برج بوعريريج»، و كما يطلق‬ ‫عليها « كاپطال دي پورط» أو « عاصمة البيبان» على حد‬ ‫تعبير الجزائريين أنفسهم.‬ ‫والية «برج بوعريريج» هي أقرب تجمع حضري‬ ‫يجاور الجزائر العاصمة في أقصى شمال البالد، وجهة‬ ‫سياحية مفضلة لدى مجموعة من الجزائريين و السياح‬ ‫ً علينا زيارة شالل بلدية « أوالد حمدان»،‬ ‫كذلك، كان لزاما‬ ‫شالل رغم توسط علوه و مناظره الخالبة، إال أنه يستقطب‬ ‫هو اآلخر نسبة مهمة من عشاق الطبيعة  الهادئة بعيداً‬ ‫عن صخب المدن الكبرى، فكان أغلب مرتاديه هم عائالت‬ ‫محترمات، فتجد األب و األم و األبناء و في بعض األحيان‬ ‫األجداد كذلك.‬ ‫ً، و التقاط بعض‬ ‫بعض قضائنا لنصف ساعة تقريبا‬ ‫الصور التذكارية، كان علينا مغادرة المكان و تركه‬ ‫«لمحتليه»، نظرات تعجب من هنا و هناك و نساء تهمسن‬ ‫85‬
  61. 61. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫لبعضهن:» جوج تاع ليسيليباطير واش راهم يحوسو هنا !‬ ‫هادي بالصة دالفاميالت» !!!‬ ‫واصلنا طريقنا نحو النصف ساعة، كان الجوع و‬ ‫العطش قد نال منا الشيئ الكثير، و نحن وسط مدينة «‬ ‫سطيف»، و نحن نبحث عن محل لألكالت الشعبية بعيداً عن‬ ‫محالت العم « سام» المتناثرة هنا و هناك، أثار إعجابنا محل‬ ‫شعبي، خاصة في طريقة عرضه لمنتوجاته، فتذكرت بعض‬ ‫األسواق الشعبية المغربية و الباع الطويل الذي كسبته خاصة‬ ‫في طرق عرض الحلويات و المحمضات -و هنا أخص بالذكر‬ ‫ال الحصر « سوق الهديم» بمدينة مكناس و التي عشت فيها‬ ‫ما يناهز العام و نصفه-، أكالت شعبية تسمن و تغني من‬ ‫جوع.‬ ‫بعد إنتهائنا من الغذاء و ما يرافقه من محليات و‬ ‫فواكه، و بعد أن كنا جاهزين للرحيل، كان البد من إصالح‬ ‫ثقب في إطار العجلة !‬ ‫و إبن الخالة كريم يسب و يشتم، بادرني بالقول أنها‬ ‫حركة مدبرة من أحد حراس موقف السيارات حتى يتسنى له‬ ‫ً‬ ‫أخذ قسطا من المال جراء مساعدتنا في إيجاد محال إلصالح‬ ‫ً أن اليوم يوم أحد و ما أدراك ما يوم األحد !!!‬ ‫العجالت، علما‬ ‫95‬
  62. 62. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫« حاميها حراميها» على حد تعبير المصريين! «‬ ‫لكن و احلمد هلل أن جرت رياح الصناعة األملانية مبا ال‬ ‫تشتهي النفوس و األخالق « العربية».‬ ‫السيارة كما سبق لي أن ذكرت كانت ال تزال مرقمة‬ ‫ُ‬ ‫بفرنسا، و في حالة جيدة، و تتوفر على عدة متكاملة إلصالح‬ ‫مثل هذه األعطاب؛ مضخة إلكترونية، و عبوة لصاق ذاتي،‬ ‫يصلح ثقب العجلة حال وصوله له، دون أدنى عناء، و‬ ‫الحارس الماكر ينظر من بعيد و هو يستطلع ما الذي يجري !‬ ‫بعد إصالح إطار العجلة، حاولت تضليل إبن الخالة حتى‬ ‫أنسيه فعلة حارس موقف السيارات هذا، و بكثير من الحظ‬ ‫أن الحارس نفسه قرأ مالمح كريم و لو من بعيد، حتى أنه لم‬ ‫يقترب منا و لم يطالبنا بآداء ثمن الموقف !‬ ‫بعد أن أخذنا طريقنا من جديد بدأت األعصاب تهدأ و‬ ‫بجهد طفيف عادت مالمح المرح و الفرح إلى وجه « كريم»‬ ‫إبن الخالة، و هو يسخر من إبن بالده الجزائري:» شاف‬ ‫الماطريكول فرانسيس على بالو حنا ديزيميگري منعرفو والو‬ ‫«!‬ ‫06‬
  63. 63. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫كنا قد ناصفنا مسافة الطريق التي وددنا قطعها اليوم‬ ‫وصوال إلى شاطئ «جيجل»، في الجزء القادم سنحاول شق‬ ‫طريقنا نحو هذا الشاطئ وبكل تفاصيله.‬ ‫16‬
  64. 64. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫مسار الرحلة، نفوذ، جاه، و رشاوى.‬
  65. 65. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫و نحن على طول الطريق الرابط بين «سطيف» و‬ ‫وجهتنا األخيرة «شاطئ جيجل»، كثيراً ما صادفنا ظواهر‬ ‫ً‬ ‫كنت أظنها منحصرة في بلدي األم فقط، لكن فيما بعد فهمت‬ ‫أنها ظواهر مغاربية و إن لم نقل عربية إفريقية.‬ ‫ً ما كانت تتجسد لي ظواهر ألفتها في بالدي و‬ ‫فغالبا‬ ‫ظننتها في الوهلة األولى أنها تخص بلد بعينه و تقتصر على‬ ‫ٍ‬ ‫محيطه الجغرافي، إلى أن أوقفتنا شرطة مرور تبعد حوالي‬ ‫ً على التجمع الحضري « سطيف»،‬ ‫نصف ساعة طريقا‬ ‫ٍ‬ ‫السيارة مرقمة بلوحات معدنية فرنسية، شابان في مقتبل‬ ‫العمر، مالمحهما توحي بالبراءة، أحدهما جزائري ً عن‬ ‫ٌ أبا‬ ‫جد و اآلخر مغربي، و خارج السيارة يقف أربعة رجال أمن‬ ‫ٍ‬ ‫بمختلف الرتب، فيما يحاول البقية إفراغ وسط الطريق، قدم‬ ‫كبيرهم و هو يشير إلى السائق بأخذ أقصى يمين الطريق،‬ ‫إبن الخالة يمد يده إلى سلة السجائر و هو يتحسس وجود‬ ‫ً ؛» عندك شي دراهم پياس»؟ أفرغت جيبي بما‬ ‫الفكة متمتما‬ ‫َْ َْ‬ ‫يحتويه من دنانير جزائرية و هو يشير إلي أن أضعها في‬ ‫يديه، تقدم رجل األمن الطاعن في السن، بعد فتحه لنافذة‬ ‫ُ‬ ‫السيارة و التي لم تفتح منذ اإلنطالقة نظراً لتوفر السيارة‬ ‫ً‬ ‫على مكيف هوائي، الشرطي و هو يلقي تحية مرفوقة بأمر‬ ‫السائق مده بوثائق السيارة، فاجأني كريم في تعامله النبيه‬ ‫هذا؛ 005 دينار في يده اليسرى، يد يمنى تؤدي تحية‬ ‫36‬
  66. 66. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫شبه عسكرية، و عينان تشيران للطاعن في السن إلى اليد‬ ‫اليسرى، و كالم معسول « مارانيش إيميگري، ولد لبالد». ‬ ‫تبسم الشرطي بعد أن كان مكشراً أنيابه، و هو يتمتم‬ ‫ِ‬ ‫« دراهم !  كومصا واخا»، أخذ الخمسمائة دينار جزائري(‬ ‫َْ َْ‬ ‫ً‬ ‫ً مغربية)، و هو يثني على تصرف السائق‬ ‫حوالي 05 درهما‬ ‫بكالم يفيد أن ما فعله هو « قمة المواطنة».‬ ‫حنا».‬ ‫و أنا أتبسم في قرارة نفسي، « الحمد هلل ماشي غير‬ ‫{{{ شيئ أثار انتباهي و هو استعمال الجزائريين‬ ‫مصطلح «دراهم» للتعبير عن المال رغم أن عملتهم هي‬ ‫ْ َْ‬ ‫الدينار الجزائري }}}.‬ ‫ً‬ ‫تابعنا مسارنا و نحن نسخر من بعضنا تارة و نتنابز‬ ‫ً‬ ‫بظواهر بلدانا تارة أخرى، و بعد قطعنا لمسافة ال بأس بها‬ ‫كنا قد اقتربنا من منطقة « سوق تنين»، كانت هذه فرصة‬ ‫46‬
  67. 67. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أخرى إلكتشاف ظاهرة أخرى من الظواهر التي كنت أظن‬ ‫أنها من خاصيات مغربية فقط، النفوذ و الجاه.‬ ‫مع اقترابنا من المجال الجغرافي ل» سوق االثنين»،‬ ‫و الظرفية التي تمر من الجزائر من تخليد لذكرى استقاللها‬ ‫و مستوى الحذر الذي كان أنذاك إثر الهجمات اإلرهابية‬ ‫ً وضع‬ ‫المتكررة على معظم الدول المغاربية، كان لزاما‬ ‫ً‬ ‫حواجز أمنية حيطة و حذراً، و مع تنوع المناظر الطبيعة‬ ‫على طول الطريق، و عدم معرفتنا التامة بشعاب هذه الطريق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫و إنشغالنا بصخب الموسيقى تارة و بالحديث تارة أخرى،‬ ‫أهملنا مواقع مراقبة سرعة السيارات «الرادار» حتى أن‬ ‫إستوقفنا حاجز أمني آخر، إال أن هذا كان يتكون من ثالث‬ ‫عناصر من «الدرك الوطني الجزائري» و ليس الشرطة،‬ ‫و ما إن رمقه كريم حتى بدأ يعض شفتيه ً وهو يسحب‬ ‫ندما‬ ‫ً من جيب محفظته المنسدلة على صدره، إنها بطاقة نعم‬ ‫شيئا‬ ‫و لكن ليست بالبطاقة الوطنية و ال رخصة السياقة و ال ً‬ ‫شيئا‬ ‫ً‬ ‫ً متوازية باللون األزرق‬ ‫من هذا القبيل، بطاقة تحمل خطوطا‬ ‫و األخضر و األحمر، تحمل إسمه و صورته الشخصية و‬ ‫ً بيضوي الشكل !!!‬ ‫بعض المعطيات العائلية، يعلوها طابعا‬ ‫كانت بطاقة إنتمائه لعائلة « األمير عبد القادر»، و تسمى‬ ‫َْ ْ‬ ‫بطاقة « شياخ»، أو باألحرى بطاقة النخبة و اإلنتماء إلى‬ ‫إحدى العائالت المنضوية تحت منطق « الشرفاء و أبناء‬ ‫56‬
  68. 68. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫عمومتهم»، و هو يهمس لي؛» شوف واش يصرا شوف‬ ‫!!!».‬ ‫تقدم أحد رجال «الدرك الوطني» بعد أن أشار إلينا‬ ‫ً‬ ‫بالوقوف و هو يخطط لمستهل كالمه، توقف السائق جانبا‬ ‫دون أن ينوي إمداده بالوثائق ال الشخصية و ال وثائق‬ ‫السيارة و بثقة نفس مستمدة من لحظة تمثيلية محظة، أقدم‬ ‫على فتح نافذة السيارة و هو يشير ببطاقته هاته في وجه‬ ‫الدركي حتى قبل أن يلقي هذا األخيرتحيته، تثاقلت خطوات‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫الدركي و هو يستعد للعودة بنصف دورة لحال سبيله مكتفيا‬ ‫بتمنيه لنا «طريق السالمة» .‬ ‫ً إبن الخالة على طريقة تصرفه أمام رجل دركي‬ ‫معاتبا‬ ‫« محترم»؛» على األقل عطيه قيمة و هضر معاه، نتا هاكا‬ ‫معتبرتيهش واش كاين كاع «! و أنا أتساءل لما لم يمنح هذه‬ ‫البطاقة «السحرية» لرجل األمن في الحاجز السابق الذي‬ ‫فضل مساومته بمبلغ مالي فقط ؟ ‬ ‫حاول كريم االجابة و بسخرية تعلوها ابتسامة‬ ‫غدر ؛» واش تبغي ولد خالت يپاسي ؟-عبارة تدل على‬ ‫السجن-، لپروميي باراج كان ديال الپوليس، و باالك يعملو‬ ‫إدونتفيكاسيون بالصون فيل، أما الجوندارم معندهومش‬ ‫66‬
  69. 69. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫الپوڤوار باش يعيطو، و هاد لكارط راني شاريها بدراهم‬ ‫كبار، في بالك  حتا نتا من الفاميال د عبد القادر وال !؟»‬ ‫ً بي.‬ ‫مستهزئا‬ ‫بعد هذين الحادثين قررت أن أقنع نفسي أنه ال فرق‬ ‫بين السفر في طرقات بالدي المغرب و نظيراتها الجزائرية و‬ ‫ً‬ ‫أن هما فعال جسد واحد و لكن برأسين متقابلين، كالهما يفكر‬ ‫بعكس ما يفكر به اآلخر.‬ ‫{{{ شعوب جمعتها ملحمة الجهاد و المقاومة ً في‬ ‫حبا‬ ‫حرية «ملغومة» بمخلفات اإلستعمار، جمعتها اللغة و الثقافة‬ ‫و الديانة و العادات و التقاليد وحتى الجغرافيا، إلى أن برز‬ ‫شيئ إسمه «السياسة» اللعينة، ففرقت بين أعضاء جسد‬ ‫واحد }}}.‬ ‫ٍ‬ ‫واصلنا قطع مسافات المسار المتبقي بشوق و رغبة‬ ‫في وصول مبكر على األقل لحجز مكان لقضاء أسبوع‬ ‫عطلتنا، فثقافة الحجز عن بعد أو الحجز القبلي تكاد تنعدم‬ ‫76‬
  70. 70. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫في مجتمع يكاد يجزم ببطالن مقولة « الوقت كالسيف، إن لم‬ ‫تقطعه قطعك»-علي بن أبي طالب-، و يمجد مقولة « رخاها‬ ‫اهلل» إلى حد اتخاذها مبدأً من مبادئ الحياة العامة.‬ ‫و نحن نهوم بالفتح العظيم، دخول مدينة «جيجل»،‬ ‫تاريخ «المعلمة الفينيقية»، ما أثار انتباهي قبيل عبور‬ ‫مدخل المدينة هو التطابق التام، ال من حيث التضاريس و‬ ‫ال الهندسة المعمارية التي تتباين بين الهندسة المعمارية‬ ‫الفرنكفونية و نظيرتها العربية التقليدية، قلت التطابق التام‬ ‫بين مدينة «جيجل» الجزائرية و مدينة «عين اللوح»‬ ‫المغربية، خاصة من حيث مدخلها الرئيسي؛ سور على طول‬ ‫الطريق يحول دون تدحرج السيارات نحو أسفل الهضبة،‬ ‫ً‬ ‫قردة مصطفة على طوله تارة تستعمل األشجار المحاذية‬ ‫ً‬ ‫للطريق منزال لها، و تارة تلعب دور مضيفي المدينة، و‬ ‫كان الفرق الوحيد بين هاتين المدينتين هو توفر «جيجل»‬ ‫الجزائرية على شاطئ يطل على البحر األبيض المتوسط،‬ ‫بينما «عين اللوح» المغربية هي مدينة تقع في جبال األطلس‬ ‫المتوسط وال تجاور أي شاطئ غير البحيرات الصغيرة‬ ‫كبحيرة «أكرمام أزيزا» و غيرها من البحيرات و العيون‬ ‫الطبيعة.‬ ‫في الجزء القادم سنحجز مقامنا و نتجول قليال في دروب‬ ‫المدينة «الفنيقيين» الجزائرية.‬ ‫86‬
  71. 71. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬
  72. 72. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫أسبوع على شواطئ «جيجل»‬
  73. 73. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫بعد قطعنا مسافة قاربت األلف كيلومتر التي تفصل بين‬ ‫بلدة «مستغانم» و شاطئ «جيجل» في أقصى شمال الجزائر‬ ‫على ضفاف البحر األبيض المتوسط، حان موعد البحث‬ ‫عن مكان قضاء أول ليلة من أسبوعنا هذا، مدينة تعج بكتل‬ ‫ٍ‬ ‫بشرية موزعة بين أبناء المدينة البادية مالمحها عليهم و‬ ‫ً من الراحة و بعد أن‬ ‫بين المصطافين الزوار، بعد أخذنا قسطا‬ ‫تلقى ابن الخالة مجموعة من المكالمات اإلرشادية، قررنا أن‬ ‫نتوجه نحو منطقة «تاسوست األمير عبد القادر» حيث تواجد‬ ‫فندق «‪ »emeraudes‬أو « الزمرد»، و المطل على‬ ‫رمال الشاطئ، حيث يبعد حوالي العشرة أمتار عن موجات‬ ‫البحر و خريره.‬ ‫بعد ركن السيارة في موقف الفندق الغاص بالسيارات‬ ‫الجزائرية و األجنبية منها، الساعة تقارب منتصف الليل إال‬ ‫ً‬ ‫ساعة، إال أن باحة الفندق لم يكف صخب روادها بعد، ثلة‬ ‫تركت حياءها في منازل أهلها، و ثلة تأخذ بمقولة « شوية‬ ‫ً‬ ‫لربي و شوية لعبدو»، أطفال «يصرخون» فرنسية، سب و‬ ‫شتم، عشيقان يتنفسان فوق أريكة باحة اإلستقبال، و كل ما‬ ‫ال يخطر على قلب بشر !‬ ‫في الوهلة األولى ترددت في الدخول قبل أن يتقدمني‬ ‫إبن الخالة و هو يشق الطريق بين المتسكعين في بهو‬ ‫اإلستقبال إلى أن وصل «موظفة» اإلستقبال و الحجز، بعد‬ ‫ً‬ ‫التحية و اإلستقبال و هي تتفنطز فرنسية، بدأت مباشرة في‬ ‫17‬
  74. 74. ‫سائح مغربي في اجلزائر‬ ‫د. نادر فرح‬ ‫عملية الحجز و ما يوازيها من إجراءات، عدد األشخاص،‬ ‫عدد الغرف، درجة الجناح، اإلمتيازات، مدة الحجز، قبل أن‬ ‫تذيل أسئلتها بعبارة إستفزتني حتى أنا غير الجزائري؛»‬ ‫ڤوزيط ديزيميگري أو نون ؟»‬ ‫و أنا أسائل نفسي، لما هذا السؤال التمييزي!؟ بعد أن‬ ‫أجابها إبن الخالة أنه جزائري و أني مغربي.‬ ‫حينها فهمت المغزى؛» ولد لبالد كيخلص پالن طريف،‬ ‫و التوريست كيحيدو ليه 02%، هادا هو تشجيع السياحة‬ ‫الداخلية و إال فال !».‬ ‫بعد العملية أخذنا مفتاح غرفتنا و حملنا حقائبنا‬ ‫متجهين نحو مكان إقامتنا.‬ ‫هنا تذكرت إحدى التجارب التي خضتها قبل عامين، في‬ ‫صيف 2002، و دائما من أيام الدراسة، حين أنهيت الموسم‬ ‫الدراسي كان علي مساعدة أبي بتسيير فندق بالدار البيضاء‬ ‫ٍ‬ ‫المغربية و العمل كمسير مسؤول أول عن الفندق لمدة قاربت‬ ‫ٍ‬ ‫ً، شاب في عمر يناهز الثمانية عشر‬ ‫الثالث أشهر صيفا‬ ‫سنة فقط، يجلس وراء مكتب اإلستقبال و اإلرشاد كمن نزل‬ ‫لتوه من عالم خارجي، في بداية التجربة كانت األمور شبه‬ ‫27‬

×